محمد بن محمد بن أحمد القرشي ( ابن الأخوة )
15
معالم القربة في احكام الحسبة
وروى عن علي - كرم اللّه وجهه - أنه كان يأمر بالمتاعب ( مسابل المياه ) والكنف تقطع عن طريق المسلمين . فمن ذلك . أن الخلفاء الراشدين ، كانوا معتنين بأمر الحسبة ومهتمين بشأنها ، إذ كان الخليفة يتولاها بنفسه ، أو يعين لها من يراه أهلا للقيام بها ، على نهج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - واقتداء بأمره ومع هذا فقد كانت الحسبة في عهد الخلفاء - رضى اللّه عنهم - في دائرة ضيقة بالقدر الذي كانت تسمح به حاجاتهم كما كان على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام . ولما جاء عهد الدولة الأموية والعباسية . في عصرها الأول الزاهر وعمت الهجرة إلى البلاد المفتوحة واتسعت الحضارة ووجدت المدنيات التي لم يكن للعالم عهد بها . فأصبح لها ولاية كولاية القضاء وولاية المظالم فوضعت لها القواعد ، وحددت الاختصاصات ، واستقلت سلطة متوليها ، وظهر ذلك جليّا من آثار الحسبة في العهد العباسي ثم في العهد الفاطمي بمصر والشام والأمويين بالأندلس ، فقد ذكر المقريزي في ( نفح الطيب ) ما يفيد أن أهم ما كانت تمتاز به الحسبة في الأندلس - ما كان من عناية علمائها ، وأهل الرأي فيها بوضع قواعدها ، ودراسة أحكامها ، كما يتدارس الفقهاء أحكام الفقه . وكانت عنايتهم تامة بشأن التسعير ، وإلزام الناس ما حدده لهم المحتسب من أثمان بحيث لا يزيد ولا ينقص من ذلك شيئا . ولقد كان من آثار هذه العناية - منع الغش ، والغبن والتدليس ، ونقص المكاييل ، والموازين ، وأصبح الناس في مأمن من الغدر والخداع . وقد ولى أحد أصحاب الشافعي الحسبة ببغداد ، فنزل الجامع والقاضي جالس للحكم فيه ، فقال له : أما علمت أن اللّه عز وجل يقول فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 1 » وأنه لتدخل المرأة إليك ومعها الطفل فيبول على الحصير ، والرجل يطأ الحصير وقد مشى غير متنعل في المواضع القذرة ، ودارك بك أولى ، فلم يجلس بعدها في الجامع للحكم . على أن مالكا يقول : القضاء في المسجد من الأمر القديم ، ويروى أن يجلس القاضي في المسجد أو في رحابه ، وقد اتخذ سحنون من أصحابه بيتا في المسجد يقضى فيه ،
--> ( 1 ) سورة النور آية ( 36 ، 37 )